الإنسانُ (السابق: 168-167)
4-9- التضحیه و الاستشهاد
قد أصبحت التضحیه غایه کثیر من المناضلین الفلسطینیین بعد أن إعتقدوا بهذه الرؤیه السیاسیه التی تقوم على رفض المساومه،و السلام،و المصالحه مع البلاد و بالتضحیه یحقق المقاتل الفلسطینی النصر على عدوه و یصبح الموت برؤیته مفتاحا للحیاه. لذلک الشاعر الشهید یعلن بأنه یکتب بالدم و لا بالحبر و هو یدافع عن وطنه بالتضحیه بالنفس حتى الموت فی سبیله،و یقدم روحه فداءً من أجل انتصار القضیه الفلسطینیه،و عنده اللحن الثوری لا یعرف إلّا اللون الأحمر :
بِالدمِ أکتُبُ لا بِالحِبرِ
بِالدمِ أکتُبُ : ” وَطَنی یُلعِنُکُم ”
أکْتُبُها عَلَنَاً لا بِالسرِ
أکْتُبُها..
أکْتُبُها حَتّى آخَرِ لَحظاتِ العُمرِ! (السابق: 187 )
لا حل للقضیه الفلسطینیه إلّا بالجهاد و الکفاح المسلّح. فالشاعر کان یؤمن بالکفاح المسلّح طریقاً و منهجاً لتحریر الأرض و یبین بأنّه مستعدّ لتضحیه نفسه فی سبیل الوطن و یطالب بحمل السلاح و لا یرى سبیل إلى استرداد الحقوق و استرجاع الأرض و الوطن إلا به،و هو نذر نفسه فی الدفاع عن أرضه و هویته :
سِیروا عَلَى العُشبِ وَ خَلُّونی
مُنتَصِباً کَالرّمحِ فَوقَ الجلجلهِ
فَقَدْ نَذَرتُ رَأسی لِحبالِ المِقْصَلَهِ ! (السابق: 203)
إن الانسان الفلسطینی قد نذر روحه لأجل تحریر وطنه،و لا یتوانى عن حمایته و یحرسه بقلبه و وجدانه،و یثبت و یدافع عن مقدّساته و یتحدى المعتدی الغاصب الّذی یوشک على الهزیمه.
رغم شده المعاناه التی تمرّ بالشاعر فهو لم یفقد أمله و التخلص من هذه المعاناه و من ظلم المحتلّین فهو یتأکد على التقدم و المقاومه حینما یکون فی انحسار الهم و الحزن و الظلم و لا یرى سوى اراقه الدم و تضحیه بالنفس :
حِینما یَنحَسِرُ الغیمُ
وَ یَأتی الهَمُّ
لا یَبْقَى سِوىَ الدَمِّ
وَ نارِ القُنبلهِ (السابق: 255 )
الشاعر یعتقد أن الشهید من أبرز النماذج لإراده السّلم و کراهیه الحرب و العدوان و أعرف الناس بمصائب الحروب و کوارثها.و لذلک یرى أنّ الفوز و النصر الحقیقی یکون على الحرب. فالغایه لا بد أن تکون استقرار السلم فی کل مکان و لا فائده فی دوام الحروب و المعارک.
فالشاعر ینظم اشعاراً فی شأن أحد الشهداء الفلسطینی و تضحیته و استقامته فی الدفاع عن الوطن.و یجعل من جیفارا رمزاً فلسطینیاً حاضراً،و وسیله لبعث الروح الثوریه و النضالیه فی النفوس.فیخاطب ( جیفارا )فی قوله :
غَزهُ فِی القَلبِ .
وَ فارِسُها أنتَ
فَماذا تَفعَلُ یا جیفارا
حِینَ یَمُدُّونَ أصابِعَهُم کَی تَتَحَرَّشَ باِلنهدِ البکرِ لِغزهَ ؟
– أسْتلُّ بروقِی بَرقاً بَرقاً
أقْتَحِمُ نَوافِذَهُم
أصْعِقْهُم حَنشاً حَنشاً
أهرسُهُم أفعى أفعى (السابق: 271 )
و فی نهایه القصیده یشیر إلى تضحیته و إستشهاده:
وَ دَفَعتَ الثَمنَ المطلوبَ
یا جیفارا (السابق: 272 )
الشاعر یکرم الاشخاص الذین دافعوا باموالهم و انفسهم عن البلد و من صاروا تحت قیود العدوّ المتجاوز و ما یجری علیهم من العذاب فی سجونهم و تحمّلوا الشدائد و جاهدوا بالشجاعه و الهمّه العالیه و بتضحیاتهم رفعوا لواء العزه و الکرامه .
و فی قصیدته هذه یخاطب أحد أصحاب المقاومه ” أوکوموتو ” و یتحدّث عن الاعمال الشنیعه التی ارتکب العدو علیه من الأسر و السجن و شده العذاب فی السجن و یعتقد هو بتضحیته و استشهاده فی سبیل الوطن سقى شجره الحریه،و بعمله هذا صار سبب الفرح و السرور فی قلب أمته و کل أمم العالم :
وَضَعُوا فِی مُعصَمِهِ الذَهبیِّ القَیدَ الفُولاذیهَ،
عَصَبُوا عَینَیهِ،
اقْتادُوهُ أسیراً،
رَقَدَ عَلَى عَرشِ السِّجنِ أمیراً،
فَابْتَسِمَ اللَوزُ،
اِزدَهَرتْ أشجارُ الحُریهِ
وَ بَکَتْ فَرحاً کُلُ نِساءِ العالَمِ
کُلُ أناشِیدِ الجَیشِ الأحمَرِ
کُلُ الأحیاءِ الشَعبیهِ
فِی طُرُقاتِ فِلِسطینَ
وَ فِی الکُرَّهِ الأرضِیهِ ! (السابق: 281 )
الشاعر یکتب عن تضحیته و ینشد و یجبل کلماته بالرمال و الدم و الغضب على القاتلین،و یشارک فی میادین الحرب و یقاوم فی الدفاع عن وطنه حتى التضحیه بالنفس و الاستشهاد و یغنّی بمرج ابن عامر و الجلیل و یرید أن یکون أول شهداء یسقطون على أرضها و یتخلّط دمه بترابها و آخرهم:
أمهَلُونی قَلیلاً .. ألا تَستَطیعون ؟!
مُصّوا دَمی ..
إنما قَطرهً قَطرهً
عَلّنی أشهدُ البرقَ وَ هُوَ یُغنِی
بِمَرَجِ ابْنِ عامِرَ أو فِی الجَلیلْ
بَعدَها ..
فَلأکُنْ أولَ الشُهداءِ وَ آخرَهم
وَ لِأمُتْ فِی البَراری قَتیلْ!( السابق:319 )
الشاعر یتألّم على أبناء وطنه و یتحدّث عن جراحاتهم فی ساحه القتال،و الّذین قاوموا فی الدفاع عن وطنهم دفاعاً مستمیتاً و بذلوا قصارى جهودهم لأجل حریه شعبهم و أرضهم و استشهد واحدٌ منهم فی أی بلد من بلاد العرب فی لبنان،و فی الجولان،و فی بحر السلام، اختلط دمهم بالتراب :
واحَسرتاهُ عَلَى زَمانِ البَبغاءِ
وَ الدّفءُ وَ الخَوخُ المحرمُ فِی الظلامِ
واحسرتاهُ ..
” شَلَتْ یَداهُ
مَن غاصَ فِی لُبنانَ، فِی الجَولانِ، فی سیناءَ.. فِی بَحرِ السّلامِ
وَ اصْطادَ فِی الأقْصَى الیَمامِ
شَلَتْ ” (السابق: 466 )
الفلسطینیون فقد وهبوا مراراً للدفاع عن وطنهم أمام هجوم الصهانیه علیه،و لم یدّخروا جهداً فی هذا الأمر و فقد سقط الکثیرون شهداء على ترابه النقی،و دافعوا عنه بروح وطنیه عالیه.
4-10- عدم التنازل أمام المحتلّین
لقد کان للقضیه الفلسطینیه أثر واضح فی شعر الشاعر، فقد هزت فلسطین فؤاد الشاعر هزّا عنیفاً و استولت على مشاعره و زلزلت جمیع کیانه و عبّر عن احساسه العمیق و ألمه و حزنه لأرض فلسطین فی قصائده فیتحدّث بأنه لایستسلم أمام الاعداء و المحتلّین و رغم کل هذه المعاناه و الطغیان و التشرید و الاغتراب من قبل المحتلّین فهو صامد مقاوم و لم یخذل أمام العدو الصهیونی.و لایزال یجاهد،و یقاوم،و یدافع بنفسه عن وطنه،و لن یشکو من التعب و الألم و یطلب الاستمرار فی اشتعال الثوره ضد العدو الاسرائیلی.فیقول :
وَ خُذنِی فِی سلاحِ التّینِ وَ العِنَبِ
کَأوراقٍ بِسطحِ السلِّ مَرمیَّهً
وَ خُذنِی روعهَ الغَضبِ
مِن العُمالِ فِی المَصنعِ
مِن الفُقَراءِ فِی النُوَبِ
وَ خُذنِی لُقمهَ الرّشاشِ وَ المِدفَعْ
فَلَنْ أدمَعْ
وَ لَنْ أشکُو مِن التّعبِ
فَذاک َ دَواءُ دائی .. آهِ ما أنْجَعْ!
وَ خُذنِی شَهوهَ النّیرانِ لِلحُطبِ
تَثورُ تَثورُ لا تَسمَعْ
وَ توقِدُ ثَورهُ العَربِ (السابق: 95-94 )
لم یتوقف نضال الشعب الفلسطینی و مقاومته یوماً،و إنما إزداد حده و مارس نضالاً بصموده فی أرضه،کما رفض ممارسات الاحتلال الیومیه و عبر عن هذا الرفض بالحجر و الإضراب و کتابه الشعارات الداعیه إلى المقاومه و الشاعر بشعره هذا یوقظ الشعب من غفلته،و نومه،و سباته،و یدفعه إلى الثوره على ظلم الصهانیه و الکفاح من أجل الحریه،و الوطن،و یزرع الخوف والرعب فی نفوس المحتلّین.
فالشاعر فی مقطع آخر یبیّن بأنه یدافع أمام هجوم الاعداء إلى وطنه حتى التّضحیه بالنفس،و یتحمّل المصائب و الآلام أمّا لا یخذل و لا یستسلم أمام المحتلّین و لا یمدّ یدیه أمامهم. کما فی قوله:
فقیراً أعیشُ
فقیراً أموتُ
و لکنّنی أبداً .. لا أمدُّ یَدی
فاشْهدی ..
أمهَ الفُقَراءِ اشهدِی (السابق: 236 )
یعبّر الشعر المقاوم عن شدّه معاناته و اوجاعه من قبل العدو الصهیونی و یعبر عنهم بالجلادین و یدافع و یصمد أمام هذا الجلادین و لا یخضع و لا یقبل الذلّ و الهوان و التصافح و التسامح مع الاستعمار.
السَّوطُ .. السَّوطُ عَلَى ظَهری
وَ أنا تَحتَ السّوطِ
وَ لکِنّی أصرَخُ : لا ..
لَن تَمتَدَّ یَدی لِتُصافِحَ أیدِی الجَلّادینَ! (السابق: 249 )
یتحدّث فوده عن إستقامته أمام الاعداء و بأنه جریء، ثائر، فلا یخاف التهدید و الوعید من جانبهم،و یرفض السلم،و لا یستسلم أمام المحتلّین و یضحى نفسه فی سبیل الدفاع عن وطنه و شعبه.
أنا رَجلٌ مُتعِبٌ [ حاصَرُونی بِأنیابِهِم . فَاخترقْتُ الحَصارَ
وَ سِرت ُ عَلَى الدّربِ مُنتَصِباً
ما رَکَعْتُ . رَفَضْتُ
غریباً رَحِلْتُ
وَ فِی عشِّ أمی نَزَفتُ دَمی.. رافِضاً
رافِضاً
رافِضاً کُلَّ مَن ساوَمَونی ( السابق:455 )
و یشاهد هذه الروح الصامده و المقاومه عند کثیر من الشعراء الفلسطینیین،و هذا الانسان الفلسطینی لم یحسب حساباً لتضحیاته،و هو ینحصر حساباته فی صموده و ثباته و تعلقه بأرضه.و لا یجد طریقاً غیر طریق الصلابه و الثبات و إن یواجه نکسات جسام فهو لا یخضع و لا یرکع و لا تلین عزیمته .
4-11- التشرید و الإبعاد
یشکو الشاعر من الاغتراب و التشرید و البعد عن وطنه و یبین بأنه کان کطائر حرّ یطاف فی المدى و فی أی مکان و لکن الآن قد أجبر بالرحیل و السفر آجلا أو عاجلاً لکن دون الرّغبه بهذا السفر و قهره العدو عن وطنه :
وَ کُنتُ طائِراً مُغرِّداً
أسرحُ فی المدَى
لکنَّنی الآنَ کما الشیءُ غریبٌ
لابُدَّ أن أرحَلَ عَن قریبٍ
فَرُبَّما الیومَ،وَ رُبَّما غَدَاً .. ! (السابق: 138 )
الشعب الفلسطینی قد تشرّد من أرض آبائه و اجداده،و کل بیت من ابیات شعر الشاعر ” علی فوده ” تعبیر عن مأساه أهله و جیله و هو تعبیر یمسّ القلوب و یضرّ الجسم،و یتذکّر تشریده و إبعاده عن الوطن و یقول إنه نزح عن الوطن یوما و شهرا و دهرا و بعد مدى صار غربته قروناً و هو یعانی من هذا البعد و الألم فی قلبه و روحه و لایزال حزیناً :
تَغَرّبتُ عَنکَ .. تَغَرّبتُ یَوماً
وَ یَومینِ
تَغَرّبتُ شَهراً وَ دَهراً
تَغَرّبتُ قَرناً
وَ کُنتُ حَزیناً یَنامُ الأسَى فِیَّ بَینَ العیونِ
وَ فِی قلبٍ
وَ فِی الروحِ (السابق: 155 )
یعبّر فوده عن تشرّده فی الصحراء بعیداً عن أهله و وطنه و بلاده و عدم استقراره فی أیّ بلد و یتحدّث عن وحدته و غربته:
تَشَرَّدتُ فِی کُلِّ بادِیهٍ . ما عَثَرْتُ عَلَى مُستَقَرٍ
تَشَرْدتُ. ما جادَ أرضی وَ لَو قَطرهً مِن مَطرٍ
وَحیداً مَشیتُ
شَهیداً رَکضْتُ ( السابق:311 )
الشاعر المناضل بصراحه یشیر إلى تشریده فی کل المنفى و فی کل زاویه و المعاناه و المراراه التی تذوّق به العدو من الجوع و الحزن و الفقر و الطرد من أرضه و وطنه.
أنا رَجلٌ مُتعَبٌ [ ضَیَّعُوا لِی دَمی مرهً
وَ مِراراً أضاعُوا عُیُونی
تَشَرَّدتُ فِی کُلِّ مَنفَى
وَ فِی کُلِّ زاویهٍ بَعثِروُنی ] (السابق: 450 )
إن الشاعر لا یعیش بمعزل عن الحیاه التی یعیشها ابناء شعبه،فهو یمتلک المشاعر و الاحاسیس کأی انسان آخر و یتأثر و یتفاعل مع هموم و قضایا الانسان المعاصر،و هو یشارک مجتمعه آلامه و احلامه،و إنه یتأثر بالوقائع و الاحداث التی تقع فی وطنه خاصه و کل بقعه من هذا العالم الواسع عامه،و یساهم فی الاحداث و الویلات التی تواجه انسان عصره .
4-12- البقاء فی السجن
عکس الشاعر فی قصیدته هذه قدراً کبیراً من معاناه الفلسطینیین و الوجع الفلسطینی،و معرکتهم مع المحتلّ و صوره السجن تعبیراً صارخاً عن المعاناه التی یحیاها الشعب الفلسطینی فی وطنه و یعبّر عن الأسیر فهو نموذج حیّ للمقاومه و هو یشاهد المحتلّ یسلب وطنه و ینهب خیراته ( راجع، الضمور، 2012م: 203) و یعلن بأنّ هولاء الذین ضحّوا بنفسه فی سبیل الوطن لاینسوا و أبد الدهر

مطلب مرتبط :   دانلود تحقیق در مورد ازت(شکل۳-۱-خ)،، ۳-۱-ح)،، اتوکلاو، (شکل۳-۱-چ)،
دسته بندی : No category

دیدگاهتان را بنویسید